أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
18
العقد الفريد
كان عروة بن أذينة يعدّ ثقة ثبتا في الحديث ، روى عنه مالك بن أنس ؛ وكان شاعرا لبقا في شعره غزلا ، وكان يصوغ الألحان والغناء على شعره في حداثته وينحلها المغنين ؛ فمن ذلك قوله ، وغنى به الحجازيون : يا ديار الحيّ بالأجمه * لم يبيّن رسمها كلمه وهو موضع صوته ، ومنه قوله : قالت وأبثثتها وجدي وبحت به * قد كنت عندي تحت السّتر فاستتر ألست تبصر من حولي فقلت لها * غطّي هواك وما ألقي على بصري قال : فوقفت عليه امرأة وحوله التلامذة ، فقالت : أنت الذي يقال فيك الرجل الصالح ، وأنت القائل : إذا وجدت أوار الحبّ في كبدي * عمدت نحو سقاء القوم أبترد هبني بردت ببرد الماء ظاهره * فمن لنار على الأحشاء تتقد لا واللّه ما قال هذا رجل صالح قط ! القس : قال : وكان عبد الرحمن الملقب بالقس عند أهل مكة بمنزلة عطاء بن أبي رباح في العبادة ، وإنه مر يوما بسلامة وهي تغني ، فقام يستمع غناءها ، فرآه مولاها فقال له : هل لك أن تدخل فتسمع ؟ فأبى ، فلم يزل به حتى دخل ، فقال له : أوقفك في موضع بحيث تراها ولا تراك . فغنّته فأعجبته ، فقال له مولاها : هل لك في أن أحوّلها إليك ؟ فأبى ذلك عليه ، فلم يزل به حتى أجابه ، فلم يزل يسمعها ويلاحظها النظر حتى شغف بها ؛ ولما شعرت لحظه إيّاها غنته : ربّ رسولين لنا بلّغا * رسالة من قبل أن يبرحا لم يعملا خفّا ولا حافرا * ولا لسانا بالهوى مفصحا حتى استقلا بجوابيهما * بالطائر الميمون قد أنجحا